صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
232
تفسير القرآن الكريم
ما يرجّح وجودها على عدمها ، ثم بما يلزم الوجوب الذاتي من الرحمة والجود ، وهداية الحق بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، والجزاء لهم يوم المعاد والثواب للمحسن والعقاب للمسيء أو العفو عنه ، إلا أن يكون فيه ما ينافيه من الكفر والإصرار والجهل والاستكبار . الرابعة : أن يشاهد ذلك مشاهدة الموجود الحقيقي وصفاته وآثاره ، ولا يرى للأفعال والآثار وجودا استقلاليا ، فلا ينظر إلى شيء إلا ويرى الحق فيه مع تفاوت المرائي صفاء وكدورة ، وتفاوت ظهور الحق فيها جلاء وخفاء . وهذا عبد قد استولت عليه الأنوار الأحدية ، وظهرت له سواطع العظمة الإلهية ، فجعله هباء منثورا ويندك عنده جبل إنيته ، فيخرّ له خرورا ، وفي هذا المقام يستهلك في نظره الأغيار ، ويحترق بنوره الحجب والأستار ، فينادى الحق : لمن الملك اليوم ؟ ويجيب بنفسه لنفسه : للّه الواحد القهار . والمؤمن بهذه المرتبة يقال له : « الولي » و « الصدّيق » و « الشهيد » أما كونه وليا ، فلأنه لا يحب اللّه أحدا غيره 124 وهو لا يحب غير اللّه ، أما الأول : فلأن غيره لا يعرف اللّه ، والمحبة تتبع المعرفة بل عينها - لأنها إدراك الملائم من حيث هو ملائم ، والملائم لكل أحد لو سلم مذاقه عن الأمراض النفسانية ولم يخدر طبعه بالمعاصي الجسمانية ، هو المعبود الحق الذي به وجود كل شيء وكماله - وأما الثاني : فلأن غير اللّه لا وجود له عند الولي ، والمحبة تتبع الوجود للشيء عند المحب . وأما كونه صديقا : فلكون كمال رتبة الصديق يكون بكمال رتبة المعرفة ، وأكمل مراتب المعرفة هو المشاهدة ، فمن شاهد الوجود الحقيقي ومرتبته في الكمال وشمول الإفاضة وعموم الرحمة منه على كل شيء بحيث لا مشارك له - لا في الوجود ولا في الإيجاد - فهو الصديق الأعظم لا غيره ممّن لا يعرف الحق وفيضه إلا بالدليل أو التقليد من غير بصيرة وكشف . وأما كونه شهيدا : فلشهادة نفسه في طريق الحق وعدم التفاته إلى هذه الحياة